الفقدان الجذري للمدلول
ادعاء الوضوح وأفق الحقيقة المستحيلة
عبد الصمد الكباص
مع الفقدان الجذري للمدلول، هذا الغائب الأبدي، لن يكون الوضوح سوى دال لم تدفعه إلى البروز أية جبرية، ولم تفرضه أية ضرورة تجعله مطلبا أساسيا يجب تحقيقه. ففي فراغ غير محدود لهذا الدال، لا يوجد وضوح. وليس هناك ما هو واضح وما هو غير واضح. وليس هناك ما هو واضح بذاته، أي البديهي الذي يجب أن تؤسس عليه كل معرفة رصينة. وليس في اللغة ما يمكن أن يكون واضحا، فلا وجود للمعنى.
ـ 1 ـ
هل الوضوح واضح بذاته؟ هل له الاستطاعة للإنوجاد من تلقاء نفسه كتجلي لوضوحه؟ هل بالإمكان الحسم بشكل قاطع بين ما هو واضح وما هو غير واضح؟ هل يمكن الانقياد بارتياح تام لثنائية الوضوح/اللاوضوح؟ ما هي الأرضية التي تسمح بالاعتقاد بإمكانية الوضوح؟ قبل أن تكون الأفكار، والأشياء، أو التعابير واضحة، من أين يستمد الوضوح وضوحه إن كان واضحا؟…
هذه العودة إلى حيز السؤال، لا تهدف ضمان استقرار مطلق، ينتشر عبر إجابة تؤكد بديهية ما أو تؤبدها. مثلما أنها لا تسعى إلى تأمين حيازة آمنة لثبات مباطن لجوانية موقف نظري يحضن عالما متناسقا ومتماسكا.
إنها انقضاض قلق، بفعل قفزة تحاصر إمكاناتها بطفرتها، على مدار اعتباطي مخفي بضرورة لا تبرر نفسها، حيث تقدم احتمالية اكتفاء الوضوح بذاته، كيقين يصلح لتشكيل أساس قبلي لإمكانات مجذوبة في حدوثها نحو قصدية متعالية عن التجزيء، هي قصدية الوضوح التي تقدم في احتمالات كثيرة بمثابة الشرك المطلق لكل سيرورة معرفية، إذ ترسم خطوات تطورها كمسيرة توضيح مسترسلة في اتجاه غايتها النهائية: الوضوح المطلق الذي يتجاوز في شموليته كل تجزيء. وبهذا يصبح هيكل المعرفة بمثابة استعادة دائمة لغاية واحدة تكيف وسائلها وفقها، حتى غدا الوضوح بمثابة نقطة تكثيف لكل احتمال فكري أو معرفي أو كلامي. ووضع في حالات أخرى كبداهة أولى تؤكد نفسها بنفسها ولا تحتاج إلى مبرر خارجها يمنحها صدقها وضرورتها… وقد تضاعف هذا الدفع بالوضوح إلى أن جعله في تتويجه الأقصى مطلبا يجب على المعرفة أن تلبيه وهي في صيرورة توضيعها لاحتمالات حدوث العالم، أو واجب يلزمها تأديته في حيازتها الذاتية لنفسها كمفاهيم وتصورات وأفكار وأحكام، وفي كشفها عن هذه الحيازة الذاتية كإمكان موضوعي… لقد أضحى الأمر متعلقا بجبرية تُلْزِمُ المعرفة في احتمالات حدوثها أن تخضع لها وأن تحاكم بموجبها…
ـ 2 ـ
إن ادعاء انطواء احتمال معرفي على هذه الجبرية –جبرية الوضوح- الموضوعة كغائية محددة قبليا تملي نفسها عليها وتخترقها كصدى يحايثها لمعيار متعالي، يجعل هذه الجبرية تخفي، وتحجب، شروط إمكانها ذاتها التي تمنحها هذه القدرة على استيعاء نفسها كجبرية. وهذا الإخفاء هو في حد ذاته إخفاء لاعتباطيتها المحجوبة بكثافة ادعاء جبريتها. لكن ألا يبدو أن سؤال: لماذا الوضوح؟ وما هي شروط إمكانه؟ يسير في توافق مع منح هذا الادعاء، ادعاء جبرية الوضوح بالنسبة للمعرفة أو وجوبه، منحه ما يتيح له أن يكون مبررا، أي أن يندرج ضمن عملية نفي لجبرية اعتباطية، مقابل إثبات وتوطين جبرية مبررة بأسس تدعمها كسند منطقي يجعل منها ضرورة وليس مجرد صدفة واعتباط؟ ألا يبدو كذلك من وجهة أخرى أن هذا البحث عن المبرر وعن السند والأساس هو في حد ذاته تعرية لفراغ يتمسك به كامتلاء، يبيح لنفسه الانتشار كحيز متحرر من حدوده، ينفتح على نفسه كأفق لها، يجد فيها باطنه الذي ينعكس فيه من حيث هو فراغ متجلٍّ في فراغه، ومن حيث كونه حركة مستمرة للإمحاء التام لكل أثر يريد أن يستوطن فيه دون أن يتخلى عن امتلائه؟ ألا يكون هذا البحث هو بحث عن هذا الامحاء لكل أساس، ليس كامحاء لما كان قائما ثم طاله المحو، بل الامحاء التام الذي يستبق كل إمكانية تستدرج ذاتها لنفيه؟ من هذه الوجهة، يصبح السؤال عن لماذا الوضوح؟ ليس سؤالا عما يبرره، بل عما لا يبرره. مثلما يصير التساؤل عن شروط إمكان الوضوح، ليس بحثا عن ما يمنحه ضرورته، بل هو بحث عن فراغ ينتشر خلف هذه الضرورة، والذي يكون منبع استحالتها، أي هذه الصدف التي تمنح لغيرها ما لا تستطيع أن تعطيه لنفسها، والتي تجعل من خلال صدفتها هذه الضرورة ممكنة.
إن الفراغ غير المشروط بحدوده، والصدفة المنفلتة من مبرراتها، لا تقبع في موقع خلفي أو ما ورائي إزاء ضرورة الوضوح، في وضعية ساكنة تسمح لهذه الضرورة أن تحتضن نفسها في كثافة ضرورتها، كما أنهما لا يعرضان نفسيهما للامحاء والزوال لصالح هذه الكثافة، ولصالح انبثاقها التلقائي. إنهما (أي الفراغ والصدفة) يخترقان الوضوح عندما يراد عرضه كضرورة. ليجعلا منه ضرورة لا تقتضي نفسها ولا تستلزمها. ضرورة هي بمثابة صدفة منسية. حيث يؤدي الاندماج الكلي في شروط هذا النسيان إلى بروز اكتساح شمولي لادعاء جبرية الوضوح بالنسبة للمعرفة…
إن مغامرة الانقذاف، إلى ما يتشكل –بقرار ذاتي للمنقذف- كخارج اللغة، أي القفز والارتماء إلى ما يعتقد أنه مجال ما بعد الكلمات الممتلئ والذي يرسل إشاراته التي تجعل الدوال تحوز على امتلائها بمدلولات تفيض عنها وهي تلتقط إشارات امتلاء هذا المجال، بحيث تكون العودة إليه هي الضامن للتأكد من مدى جودة هذه المدلولات في التمثيل، إن هذا الانقذاف لا يسمح باستعادة شفافة للبداهة الأولى –[ هذا الوهم ]- التي تمنح لكلمة "وضوح" امتلاءها الضمني والمحدد بدقة. ذلك لأن التخطي والانقذاف إلى ما بعد اللغة أو ما قبلها، حيث الانتشار الموسع لمواضيع العلامات، ولوقائع القضايا، ولأفكار وتصورات العبارات والجمل، هو انقذاف محفوف بالكلمات، مغمور باللغة وبألفاظها، انقذاف داخل اللغة مشحون بتوزيعاتها. فخارج الكلمات أو ما بعدها، والمحدد من خلال كلمات، هو كلمات. وعملية التخطي ليست إلا تخطي كلمة في اتجاه كلمات أخرى بواسطة كلمات تتبادل الأدوار فيما بينها بشكل لا نهائي، حيث البعض منها يلعب دور المدلول للبعض الآخر الذي يجسد وظيفة الدال. وتنقلب اللعبة في اتجاهات مختلفة. فتدحرج الكلمات يحتوي ويغلف مرجعها المفترض، لكن من حيث يكون هذا الغلاف قشرة من الكلمات تلف قشرة أخرى منها. وهكذا فما يعتبر بداهة أولى ليست إلا كلمات جعلتها كثافة الاستعمال كذلك.
في هذه الكثافة تقدم كلمتي الوضوح/اللاوضوح، كثنائية تقابلية يدخل طرفاها في صيرورة استبعاد كلي لكليهما. ومن خلال هذا، استبعاد لتحايدهما إزاء بعضهما، والذي يصبح بفعل الوضع التقابلي لهذه الثنائية بمثابة ثالثها المرفوع. لكن هذه الثنائية تبدو كاشتقاق من معيار تستبقه وفي نفس الوقت تفترضه قبليا، كمعيار سابق لها تستمد منه مشروعيتها في الحسم بين طرفيها. بين أحضان هذه الثنائية يتولد هذا المعيار، معيار مفترض سبقه، كأصل قبلي، لكن قبليته لن تكون سوى افتراض يقحم في حيز اليقين، لأن هذا المعيار الذي يسمح بالتمييز بين الوضوح واللاوضوح، هو غير محدد سلفا مع أنه يفرض باعتباره كذلك. إنه فارغ، وفراغه هذا يسمح له أن يكون بمثابة استعداد معطى لهذه الثنائية لملئ هذا الفراغ، أي لتحديد عناصره المعتمدة للتمييز والفصل بين ما يجب أن يصنف في خانة الوضوح، وما يجب أن يوضع في خانة اللاوضوح، لكن من حيث يكون هذا التحديد غير مستقر في عناصره ومقاييسه. وهذا ما يجعل هذه الثنائية بمعيارها الذي تستبقه وتولده وتفترض نفسها كمجرد مشتق منه، إنما هي مبرر قبلي محتمل لمنح امتياز ما أو لمباشرة إقصاء أو نفي أو تهميش. فالوضوح يكون مبررا مسبقا محتملا قابلا للاستعمال في أي لحظة ووفق أي معيار، لمنح احتمال معرفي ما امتيازا، لتكريسه، وجعله يحظى بموقع مركزي.
وفي المقابل فإن اللاوضوح قد يكون بمثابة مسوغ قبلي جاهز، لإقصاء أي خطاب أو احتمال معرفي، أو للتقليل من حجم أهميته، وتقليص كثافة حضوره، ونفيه إلى هامش مبعد. المستعاد هنا هو ثنائيات المركز والهامش، الاستحضار والإقصاء، التثمين والتحقير، التي تجعل مواقع انتشار احتمالات –الحدوث المعرفية، وساحة تداولها محتكرة من قبل توزيع تفاضلي، يجد أحد أهم مسوغاته القبلية ومبرراته المسبقة في هذه الثنائية التي تمنح اعتبارات معرفية مبالغ فيها مرتبطة باليقين والحقيقة. في حين أنه في دورها الذي تقوم به، تندرج ضمن لعبة القيم التي هي لعبة تفاضل وتراتب. فليس الواضح إلا ما أريد له أن يكون كذلك، في فراغ غير محدود لهذه الكلمة. فراغ مسكون بفقدان جذري لمدلول، تتوسط الدوال بعضها البعض من أجل استحضار موهوم لأثر هذا الفقدان الجذري ولشارة من شاراته تسمح بتهيئ مجال انتشار هذه الدوال وسيلانها لاجتياح شمولي للمعنى.
ـ 3 ـ
ضمن عملية الاختزال والحصر والتقنين التي تستهدف تدفق احتمالات حدوث المجرى الأنطولوجي()، تتكون علامة لا تلغي نفسها لحساب غيرها، لا تكون في حضورها فانية في ما تدل عليه، لا تحضر فقط من أجل ما تمثله وتشير إليه. بل هي علامة تحضر من أجل حضورها الممتلئ، لا تحيل إلا على نفسها، متضخمة في وحدتها، غير منقسمة على ذاتها، مطابقة لنفسها. تحول كل ما عداها إلى وجود من أجلها. وتجعل أهميته تكمن في أن يمثل أمامها كموضوع حاضر إزاءها. تحدد غائيته، وغائية انتظامه الذاتي المفترض، تضع داخله قانونا ومعنى، وتعمل على اكتشافه، تتمرأى فيه قبلياتها، من حيث تكون هذه القبليات: مقولات، مبادئ، كليات، بديهيات…، وتجعل منه تجليها الخارجي. هذه العلامة التي تضع نفسها كمركز متضخم في وحدته، هي الـ ذات. فهل يمكن أن يكون ادعاء الوضوح تحصيلا لتقاطع ما يقدم كقبليات متعالية بما يتحدد كمواضيع خارجية لذات تتوسط نفسها عبر هذا التقاطع؟
تعمل إجراءات الحصر الأنطولوجي على اختزال سيلان وكثرة وتشتت التموقع المجراوي() لاحتمالات حدوث العالم وذلك بمحاولة التأكيد على أحاديته، هذا التأكيد الذي يسعى إلى إيجاد مناطق الإرساء. وهي مواقع لا تتزحزح ولا تتحرك بفضل امتلائها، تتكاثف فيما بينها بشكل تضافري يخول لها أن تتشكل كأساس لإرساء مجموعة من التحققات التي تختلف فيما بينها. لكن هذا الاختلاف يتم في إطار ثبات أساسها أو مناطق إرسائها التي يمكن اعتبارها بمثابة تلك النقطة الثابتة التي طالب بها أرخميدس ليحرك الأرض من مكانها. ومناطق الإرساء هذه، هي التي يسعى كل من الهوية والمفهوم والعلاقة والقانون والعلية… وباقي إجراءات الحصر الأنطولوجي() إلى تحديدها لكي تظفر بوحدة الاحتمال ليتحول إلى كائن مطابق لذاته. وبفعل مناطق الإرساء التي تظهر ثارة كهوية، أو معنى، أو خصائص جوهرية، أو مفهوم، أو ماهية، أو حقيقة…، تتوفر قاعدة لانتظام التغير، واستيعاب التحول الطفروي ليصبح تحولا منظما لا يتعارض مع الأساس الثابت الذي تم فوق أرضيته، بل إن هذا التحول لا يصبح من هذا المنظور ممكنا إلا في إطار ما تسمح به مناطق الإرساء. فتتولد من خلال إجراءات الحصر الأنطولوجي ثنائيات: الثابت/المتغير، الجوهر/العرض، الجواني/البراني، المضمون/الشكل، ال في ـ ذاته/الظاهرة… حيث يشكل العنصر الأول من كل ثنائية مناطق إرساء للعنصر الثاني، الذي يصبح بما هو متغير ومختلف ومشتت، عرضا مرجوعا إلى أساسه ومناطق إرسائه. والأحادية تتبدى من خلال هذه الأرضية الثابتة التي تشكلها مناطق الإرساء، إذ تعمل إجراءات الحصر الأنطولوجي على أخذ أحد الاحتمالات ضمن تدفق مفتوح من الاحتمالات المختلفة والمشتتة وتعطيه بعدا كونيا عن طريق التعميم، لتجعل منه ثابتا أو أصلا، أو منطلقا يجب البحث عنه خلف العوارض المختلفة، والأشكال المشتتة، والتمظهرات المتعددة. وبهذه العملية تضمن إجراءات الحصر الأنطولوجي امتلاء الكائن، وتنفي عنه كونه مجرد احتمال حدوث. لكن هذا الامتلاء يجب ألا يظهر فقط في كل كائن مفرد بمعزل عن باقي الكائنات الأخرى. لأنه بهذا سيضاعف التشتت والتعدد. وهنا تبدو المهمة التضافرية لكل هذه الإجراءات. فالهوية تعمل على إيجاد كيانات موحدة متطابقة مع ذاتها، محددة بذلك المسافة التعالقية التي يجب أن تفصل فيما بينها، حماية لهويتها من التهجين. هذه المسافة التي سيتدخل الإجراء العلائقي لملئـها لإبعاد التشتت والتعدد وتشكيل الكيان الأكبر المترابط الموحد الذي هو الـ -عالم. لكن عمل الإجراء العلائقي يتم هو الآخر على أساس مركزية التصادي التي تندرج ضمنها مجموعة من المفاهيم [ كالتطور، النمو، التأثير، الترابط…] والتي تفيد أن مناطق الإرساء تجد صداها عند بعضها البعض. وطبيعة التصادي هي التي تبرر تدخل الإجراء العلائقي لملئ المسافة التعالقية، وهو التدخل الذي يعمل على رسم حدود هذا التصادي وإضافاته الجديدة التي ستجد صداها هي الأخرى داخل كيانات أخرى. وأشكال هذا التصادي الذي يجمع مناطق الإرساء في وحدة وتماسك هو الذي تتحدد أبعاده من خلال المفاهيم المشار إليها.
لكن صيرورة هذا التصادي بهذا الشكل، قد تنفلت من التحديد، وتصبح غير محدودة. وبهذا سيكون من المهام الأساسية التي ينبغي أن تقوم بها إجراءات الحصر الأنطولوجي، إيجاد مرجع توجيهي،